الخطيب الشربيني

574

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

مَخْتُومٍ أي : ختم ومنع من أن تمسه يد إلى أن يفك ختمه الأبرار . وقال القفال : يحتمل أن يكون ختم عليه تكريما له بالصيانة على ما جرت به العادة من ختم ما يكرم ويصان ، وهناك خمر أخرى تجري أنهارا لقوله تعالى : وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ [ محمد : 15 ] إلا أنّ هذا المختوم أشرف من الجاري . خِتامُهُ مِسْكٌ أي : آخر شربه يفوح منه مسك ، فالمختوم الذي له ختام ، أي : آخر شربه ، وختم كل شيء الفراغ منه . وقال قتادة : يمزج لهم بالكافور ويختم بالمسك . وقال ابن زيد : ختامه عند الله مسك . وقيل : طينه مسك . وقيل : تختم أوانيه من الأكواب والأباريق بمسك مكان الطينة . وَفِي ذلِكَ أي : الأمر العظيم البعيد التناول ، وهو العيش والنعيم أو الشراب الذي هذا وصفه فَلْيَتَنافَسِ أي : فليرغب غاية الرغبة بجميع الجهد والاختيار الْمُتَنافِسُونَ أي : الذين من شأنهم المنافسة ، وهو أن يطلب كل منهم أن يكون ذلك المتنافس فيه لنفسه خاصة دون غيره ؛ لأنه نفيس جدا ، والنفيس هو الذي تحرص عليه نفوس الناس وتتغالى فيه ، والمنافسة في مثل هذا بكثرة الأعمال الصالحة والنيات الخالصة . وقال مجاهد : فليعمل العاملون نظيره قوله تعالى : لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ [ الصافات : 61 ] وقال مقاتل بن سليمان : فليسارع المتسارعون . وقال عطاء : فليستبق المستبقون . وقال الزمخشري : فليرتقب المرتقبون . والمعنى : واحد . وأصله من الشيء النفيس الذي تحرص عليه نفوس الناس ويريده كل أحد لنفسه ، وينفس فيه على غيره أي : يضنّ . وَمِزاجُهُ أي : ما يمزج به ذلك الرحيق مِنْ تَسْنِيمٍ وهو علم لعين بعينها سميت بالتسنيم الذي هو مصدر سنمه إذا رفعه ؛ لأنها تأتيهم من فوق على ما روي أنها تجري في الهواء مسنمة فتصب في أواني أهل الجنة على مقدار الحاجة ، فإذا امتلأت أمسكت . وقوله تعالى : عَيْناً نصب على المدح ، وقال الزجاج : نصب على الحال . يَشْرَبُ بِهَا أي : بسببها على طريقة المزج منها الْمُقَرَّبُونَ وضمن يشرب معنى يلتذ ، فهم يشربونها صرفا ، وتمزج سائر أهل الجنة . إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا أي : قطعوا ما أمر الله به أن يوصل ، وهم رؤوساء قريش . كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وهم فقراء الصحابة عمار وصهيب وخباب وبلال وغيرهم من فقراء المؤمنين يَضْحَكُونَ أي : استهزاء بهم . وَإِذا مَرُّوا أي : المؤمنون بِهِمْ أي : بالذين أجرموا يَتَغامَزُونَ أي : يشير المجرمون إلى المؤمنين بالجفن والحاجب استهزاء بهم . وقيل : يغمز بعضهم بعضا ويشيرون بأعينهم . قيل : جاء عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه في نفر من المسلمين فسخر منهم المنافقون وضحكوا وتغامزوا ثم رجعوا إلى أصحابهم فقالوا : رأينا اليوم الأصلع وضحكوا منه ، فنزلت قبل أن يصل عليّ إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم . وَإِذَا انْقَلَبُوا أي : رجع الذين أجرموا برغبتهم في الرجوع وإقبالهم عليه من غير تكرّه إِلى أَهْلِهِمُ أي : منازلهم التي هي عامرة بجماعتهم . وقرأ حمزة والكسائي في الوصل بضم الهاء والميم ، وأبو عمرو بكسر الهاء ، والباقون بكسر الهاء وضم الميم انْقَلَبُوا حالة كونهم فَكِهِينَ أي : متلذذين بما كان من مكنتهم ورفعتهم التي أوصلتهم إلى الاستسخار بغيرهم ، قال